إعادة تشكيل الثقافة المدنية

بعد مرحلة طويلة 

بعد مرحلة طويلة من الانغلاق السوسيو ـ سياسي تقطعت فيها اوصال الوشائج المجتمعية، وانقلبت فيها القيم نتيجة للضغط السلطوي وقهر انظمة الاستبداد 

اصبح فيها الفرد متماهيا لا شعوريا مع المتسلط خوفا او ذوبانا ويسعى لتطهير ذهنيته من حالة الهوس والرعب التي اثقل بها نتيجة للممارسات التي تفتقد للوعي الحضاري والانساني، وبنفس الوقت الحماية للذات من السقوط في فخ المناوءة مع المتسلط ، ناهيك عن غياب آليات التثقيف الحضاري التي تربط الانسان العراقي بالمجتمع العالمي وتحررارادته من النكوص والذوبان الفئوي فلم توجد منطقة وسطى بين الاسرة والحكومة الاستبدادية للحراك الاجتماعي تتبلور فيها شخصية الفرد العراقي وتتنامى فيها البنى المعرفية لثقافته الاجتماعية ،
كان الفرد العراقي مأسورا بين ضغط الحاجات البيولوجية والاقتصادية وبين الضغوط الايديولوجية القامعة للحرية والتي تحول دون تحقيق الاختيار وإرادة المعرفة والفهم وتفتح ابواب الاستسلام والخضوع والجنوسة الايديولوجية، فهناك فرق شاسع بين التنميط الايديولوجي والجنوسة الفكرية وبين الثقافة السياسية الطبيعية ، يرى إنجلهارت ان الدولة التي تتمتع بمستوى عال من التوجهات الثقافية المدنية تكون اقرب الى تبني الديموقراطية على المدى الطويل اكثر من دول اخرى تتمتع بمستويات اقل من هذه التوجهات واضعين بنظر الاعتبار اثر العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والثقافة المدنية عندما تتبلور تأخذ شكلها الطبيعي في المجتمع المدني اي ان اتساع رقعة الحراك الثقافي باتجاه المدنية والحضارية يكون هنالك تحول حضاري من المجتمعات المنغلقة البدائية الى المجتمعات المنفتحة المدنية ، وتأسيسا على ذلك فان معظم الاراء المعاصرة التي تنبثق من الثقافة المدنية تهتم بالمواطنة والحقوق وترى ان المجتمع المدني هو فضاء للتفاعل الايجابي بين الدولة والمجتمع والسوق وهو فضاء عام يقع بين العائلة والدولة والتعريف المذكور يركز على فكرة فضاء عام تلعب فيه منظمات تطوعية دورا تفاعليا مع الدولة ومع السوق ويرى هابرماس ان الفضاء العام هو المجال الذي تتحرك فيه كل المنظمات الطوعية من احزاب ونقابات واتحادات وحركات احتجاجية وكيانات دينية . وفي حقيقة الامر اختلفت اختلافا ليس جذريا مع (هابرماس) وذلك لوضعه الاحزاب في دائرة الفضاء العام للمجتمع المدني ولكني اتفق معه لو انه هذه الاحزاب تخلصت من عقدة التمركز حول الذات والسلطوية والربحية .
اما غرامشي فقد ادخل عناصر جديدة الى ساحة فهم وتحليل المجتمع المدني وتطورا حاسما في الفكر المعاصر، وادخل الى قلب الاهتمام المجتمع المدني مقابل الدولة وبنية المجتمع المدني وكذلك فاعلية منظمات المجتمع المدني . فالدولة تنشأ عندما يقوم الجهاز السياسي بممارسة سلطاته التي يعززها نسق قانوني وقدرة على استخدام القوة لتنفيذ سياساته ومصطلح الحكومة او الحكم يشير الى الاجهزة والادوات السياسية التي يقوم المسؤولون من خلالها بتطبيق السياسات وصنع القرارات والعمل السياسي هو الوسيلة التي تستخدم فيها السلطة التي هي القوة والقدرة على تحقيق الاهداف، والاشكالية هنا اي في الاهداف فاذا ما ارتبطت برؤية ضيقة وبحراك سياسي في مدار ايديولوجي ضيق ستكون اهدافا مرحلية فاقدة لمحتواها القيمي ولفاعليتها في تحقيق الغايات الاجتماعية الكبرى. ولذلك فعلى الدولة ان تحتضن كل افرادها ضمن الهوية الام ( العراقية ) وآليات منبثقة من فلسفة حقوق الانسان ويبقى الانسان قيمة عليا بغض النظر عن انحداره او انتمائه المجتمعي الا من تمرد على تلك القيم الحضارية واختار فلسفة الالغاء ورفض الاخر وان يجعل من نفسه فرعونا على البشرية وان يكون متميزا على اساس بيولوجي لا على اساس العطاء والاداء والفعل، وعندما ترتقي مؤسسات الدولة باتجاه ترسيخ مفهوم المواطنة ، وترسيخ ثقافة القانون واحترام الكفاءات والطاقات ودفعها باتجاه قيادي لادارة المؤسسات المجتمعية من دون ادنى شك، سيتحقق النمو الطبيعي للمجتمع وستندثر كل الثغرات التي تحول دون التطور والتوازن المجتمعي وينبغي ان تشيع مفاهيم التسامح والشفافية والعدالة والمساواة على اساس الهوية العراقية كقاعدة او نقطة انطلاق والهوية الانسانية كنقطة للالتقاء وينبغي ان نستوعب الثغرات المجتمعية والمفاهيمية سواء في الايديولوجيات التي نتقاطع معها او مع المجتمعات التي نختلف معها وان نكون على وعي تام بقراءة تجربتها لا نطلق الاحكام جزافا لمجرد اننا نختلف ونمارس اضطهادا محوريا على الاخر وعلى الذات لان اقصاء الاخر هو اقصاء للذات لذلك تجد بعض المفكرين من يحاول ان يتقاطع مع الدين وعلى وجه التحديد، الدين الاسلامي ومقياسه الفلسفة الاسلامية او المسلمون او فرد هنا او فئة هناك وقد يكون بدافع ذاتي لانه اساسا يرفض فكرة (الدين) فيبحث عن زاوية اومجال ليسقط عليها ازمته الفكرية وانا اؤكد ولا احاول ان انطلق من (الانا) ولكن من خلال تجربتي كمسلم او مثقف مسلم لا اجد الدين يتقاطع مع اي اتجاه او اية فئة ولا يرفض الاخر فالاسلام اعلنها صريحة مدوية ( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
اي منطق حضاري بعد هذا النص اما اذا كان هناك من يتعنصر لطائفته ويمارس دور الارهاب والاضطهاد والغاء الاخر وينصب نفسه خليفة للمسلمين ويحلل ويحترم كما يشاء فهذا واضح رأي الاسلام فيه ، ومن وجهة نظري هذا نموذج سيئ لا يمت بصلة للاسلام ، فالاسلام دين التسامح والاخوة والسلام ، قال النبي محمد ( صلى الله عليه واله وسلم ) ( حب لأخيك مثلما تحب لنفسك ) فمن هو اخوك، هل حددها الرسول (ص) بصفة مسلم، مسيحي.. الخ ، لماذا جعلها اطلاقية والحقيقة جاء تفسيرها عند الامام علي (ع)( الناس صنفان )اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق ، اما اذا برزت اشكالية هنا في الممارسة او التنظير من هذه الجهة او تلك فلا علاقة للاسلام به